top of page

في معرضه الجديد الذي عنوانه هو محاكاة صوتية للضجة البيضاء، يقدم فنان الصوت دانييل مئير (*1972، حيفا؛ يعيش ويعمل في تل أبيب-يافا) عملًا تركيبيًّا فريدًا يوصلنا ببيئتنا باستخدام وسائط صوتية، ويجعلنا نستشعر بمحيطنا من خلال الضجيج الذي ينتج عنها. في أطراف صالة العرض في الطابق الأرضي للمركز، وفي جوف فضاء معتم، ينبعث صوت مناظر صوتية مختلفة. تتكثّف هذه الأصوات القادمة من الأطراف في مركز صالة العرض، وقد رُكّب العمل على نحو يكون للتجول في المساحة أثرًا ملموسًا على التجربة المسموعة.


من أحد جوانب العمل التركيبي الصوتي، يمكن سماع امتداد المشهد الحضري الذي صنعه الإنسان، محاط بالكامل بالضوضاء. كما يصفه مئير: «الطنين المستمر هو خلفية كافة نشاطاتنا، لدرجة أننا بالكاد نلاحظه الآن. من الصعب أن نتخيل الحياة بطريقة أخرى، ولكن من منظور تاريخي، فإن الأصوات التي تشكل هذا الصخب والضجيج المتواصل هي ظاهرة جديدة تمامًا». ضوضاء المدينة مدمجة في مساحة كاملة متجذرة في الواقع المعاصر. تتضمن هذه الأصوات انشغال مئير بالتلوث الضوضائي واهتمامه بتأثير المشهد الصوتي الحديث على صحتنا وقدرتنا على الاستماع. أحد المراجع المهمة التي يعود إليها مرارًا وتكرارًا هو كتاب The Soundscape لـ ر. موري شافر (Schafer) من عام 1977 حول الإدراك السمعي في العصر الحديث، وهو تحليل يظل ذا أهمية خاصة بعد زيادة الوعي حول أثر الضوضاء الضارّ على البشر والحيوانات.


ومن الجانب الآخر من العمل التركيبي، تظهر مساحة صوتية مكونة من أصوات مأخوذة من البيئة الطبيعية دون تدخل الإنسان، بما في ذلك تسجيلات لصوت البحر والرياح –ضجيج الطبيعة الأبيض – بالإضافة إلى تسجيلات لمخلوقات مختلفة مثل الخفافيش والدبابير، وهي كائنات تتواصل مع بعضها البعض بأصوات تتجاوز نطاق السمع البشري. يسجل مئير ويجري تعديلات على نطاقات الصوت بالموجات فوق الصوتية لهذه المخلوقات، ويتلاعب بتناغماتها وإيقاعاتها، ويتيح لنا عوالم موازية موجودة في بيئتنا المادية، غالبًا دون أن ندركها أو نكون قادرين على إدراكها.


الأصوات المسموعة بالتوازي على جانبي الغرفة تنبع من مصادر إنتاج متضادة، ومع ذلك فإن التركيبة التي ينسجها مئير تكشف لنا بالتدريج عن تشابه صوتي مدهش بين قوامها وتردداتها. تُحاك طبقة أخرى تساهم في إنشاء الصوت، وهي الطريقة التي «يخيط» بها مئير المقطوعات الصوتية المختلفة في حالتها الخام، ويضفي عليها أصوات جديدة من مولّد الأصوات الموسيقية (Synthesizer) كما لو كانت هناك نغمات وإيقاعات موسيقية لكل شيء، كمن يسبب نوعًا من التعطيل الواعي للبرامج الموسيقية. والنتيجة هي عمل فني من نوع جديد، على الرغم من إخلاصه للإطار المفاهيمي الأصلي الذي يتّبعه الفنان، فهو ليس خاليًا من الموسيقى. ويمكن تتبع تأثيرات مختلفة فيه، بدءًا من الأعمال الصوتية للمستقبليين في بداية القرن العشرين، مرورًا بفن الضوضاء لجون كيج وآخرين، وحتى موسيقى الضجيج (noise music). الاستماع، بالنسبة لمئير، هو أكثر من مجرد حالة استغراق بل هو طريقة للتحقيق، يشق طريقًا "للمشي" في الفضاء الصوتي. نحن نكتشف ما نسمعه ولا نستقبله بشكل سلبي، وهذا الاكتشاف هو توليدي، ومتغير دائمًا، ودائمًا ذاتي، ويجري باستمرار الآن، في الوقت الحاضر. يقوم مئير بعزل الصوت كمادة، ويأخذ عينات منه ويعيد توصيله، وتوجيه العناصر وتوحيدها. من البنية الصوتية التي ينسجها، هناك حاجة إلى جوهر مراوغ وشاعري في الضوضاء البيضاء التي تحيط بنا.


المعرض «دانييل مئير: kkkkkkhhhhhh» من تقييم تمار مرغاليت وبدعم من مفعال هبايس للثقافة والفنون.



الصور


4-1

دانييل مئير

2024 ،kkkkkkhhhhhh

صور من العرض في CCA تل أبيب-يافا

تصوير: ليئات البلينغ


دانييل مئير: kkkkkkhhhhhh

11 أيار، 2024

14 آذار، 2024

← شراء تذاكر
bottom of page