top of page

يقدم معرض «أبشالوم: حلول ومشاكل» ثلاثة أعمال فيديو أنجزها أبشالوم خلال السنتين الأخيرتين من حياته (1992–1993). في كل واحد من هذه الأعمال، وهي «حلول» و«ضوضاء» و«صراع»، يظهر أبشالوم بجسده في خضم أفعال متفاوتة الحِدّة، بحيث يغدو الجسد فيها ساحةَ معركة، أو صرخة، أو مشكلة تتطلّب حلًّا.


رحل أبشالوم (مئير إشيل) عام 1993 في باريس إثر مرض الإيدز، ولم يكن قد تجاوز التاسعة والعشرين، تاركًا وراءه منجَزًا فنيًّا محدودًا في عدده، وبالغ الأثر في امتداده. وفي عامه الأخير أنجز المتن الفني الأكثر ارتباطًا باسمه، وفي مركزه ستة نماذج أولية لخلايا سكنية: هياكل خشبية مطلية بالأبيض، صُمّمت بخطوط بسيطة وفق قياسات جسده واحتياجاته الأساسية: "لقد صُمِّمت جميع البيوت على أمل أن تنطوي على قيود جسدية كثيرة، بحيث تكون البيوت ملموسة إلى أقصى حدّ بالنسبة لي". وقد خطّط لوضع هذه الخلايا في عدد من المدن المركزية حول العالم (باريس، زيورخ، نيويورك، تل أبيب، فرانكفورت، وعلى الأرجح طوكيو أيضًا)، وأن يقيم فيها. كان يسعى إلى الانسحاب من انتظام الحياة الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، لكنه صاغ هذا الانسحاب نفسه بوصفه فعلًا عموميًّا صريحًا ومواجِهًا، في قلب هذه المدن ذاتها. في مواجهة مراكز قوة اقتصاد الفائض، وعبر هذه الخلايا المينيمالية، تجنّب أبشالوم كل تفصيل زائد، وقصر الإقامة فيها على شخص واحد هو نفسه. وفقط إذا أراد، يمكنه أن يستضيف فيها شخصًا آخر لزيارة محدودة زمنيًّا، مصحوبة بحميمية مدروسة، بحيث وفق حساباته الدقيقة، لا يفصل بينهما أكثر من 40 سم.


بسبب رحيله المبكّر، لم يسكن أبشالوم خلاياه قط. لم يُبْنَ فعليًّا سوى اثنتين منها، فيما ظلت البقية نماذج أولية تُبنى وتُهدم من أجل معارضه حول العالم. هذه الخلايا فضاءات سلبية، أشبه بنُصبٍ تذكاري للجسد الغائب، تشهد على القيود المفروضة على الجسد والمنبثقة منه في آن. وعلى خلاف الخلايا المصمَّمة على قياس الإنسان، كانت أعمال الفيديو لدى أبشالوم تُعرض في الغالب على شاشات مراقبة، وكانت من حيث ثقلها الدلالي ملحقةً بعرض الخلايا. في هذا المعرض الراهن، تُعرض أعمال الفيديو في المركز، وتبثّ عبر جهاز إسقاط بحجم مكبّر لبلوغ مقياس إنساني، ولو على حساب قدر من حدّة الصورة. يتموضع جسد أبشالوم أمام المشاهد، يشاركه الحيز والزمن، وربما ضمن شروط العمارة وبياض فضاء العرض في مركز الفن المعاصر، تتردد أصداء خلايا أبشالوم على أي حال.


في العمل «حلول» (7:34 دقيقة)، يوظف أبشالوم الوظائف المختلفة التي بناها داخل خلاياه: المقعد، والطاولة، والسرير، والغرفة، والحمّام. تظهر المَشاهد تباعًا كأنها إطلالة خاطفة على يوم في حياة الفنان، غير أنها تُبسط في المعرض الحالي جنبًا إلى جنب، وتُكبَّر إلى مقياس إنساني، بوصفها فهرسًا لأفعال حميمة تُؤدّى أمام الكاميرا، وبالتالي أيضًا أمام المشاهد. يسكب أبشالوم لنفسه كوب ماء ويشربه دفعة واحدة؛ يكسر مكعّب شوكولاتة من غلاف من رقائق الألمنيوم، ويأكله؛ يشعل سيجارة بعود ثقاب، ويدخّن، فيما تفضح حركة ساقه توتّرًا عصبيًّا؛ يقضم أصابع يديه، يخلع حذاءه، يصعد إلى مقعد ليبلغ سريرًا فرديًّا مرتفعًا تحتَه خزائن، ويتمدّد على فرشة رقيقة بلا غطاء؛ يستمني إلى جانب الطاولة، ويدور حولها بقلق، ويضرب رأسه بالحائط، في هيئة تتأرجح بين الهذيان والصلاة؛ ثم يعود ليجلس حول الطاولة، يفرك رأسه الأصلع كأنه يسرّع مسارًا جاريًا أصلًا، يزيل الشعر المتساقط فوق الطاولة، يخلع ثيابه، ويدخل عاريًا إلى حوض ممتلئ بالماء، وهو موضع لا يعود فيه مطالبًا بإخفاء أي شيء.


وعلى خلاف عمل «حلول»، حيث يُمضي أبشالوم الوقت، أو ببساطة يعيش، أي يملأ الزمن بأفعال يومية تبدو بلا استعجال، ينغمس في عملَيْ «صراع» (0:45 دقيقة) و«ضوضاء» (2:30 دقيقة) في فعلين جسديين مكثّفين. في «صراع» يواصل اللكم في الفراغ بلا انقطاع، بقبضتين عاريتين، كأنه يقاتل شخصيات كثيرة، أو لا أحد، كما لو أن حياته متوقفة على ذلك: "الفيلم مرتبط ببقية أعمالي. رغبتي في أن أسكن البيوت التي أُنتجها، تطلّعي إلى ألا أصبح ما يُطلب مني أن أكونه، ألا أستسلم، ألا أخضع، هي نفسها صيغة إنتاج هذا الفيلم. أنا لا أتعب. سأقاتل بكل قوتي لأحصل على ما أريد. لن أستسلم. سأواصل القتال حتى لو حدث الأمر الأفظع. لن أوافق على التسويات أبدًا: سأعيش كما أريد، هذا كل شيء". أما في «ضوضاء» فيؤدي فعلًا يكاد يكون شكليًّا تجريديًّا: يصرخ بلا توقف إلى أن ينفد صوته؛ أي إن الذي انتهى ليس الصرخة ذاتها، ولا الحاجة إلى الصراخ، بل الوسيلة نفسها هي التي استُنفدت. فبينما يتواصل الصراع، تنتهي الصرخة.


في فضاء مدخل مركز الفن المعاصر يُعرض عمل الفيديو «اقتراحات للسكن» (1991)، وهو عمل يتضمّن حوارًا مع إعلانات البيع التلفزيوني (infomercial) التي كانت تُبث في تلك الفترة وتعرض كيفية استخدام الأجهزة التي تروّج لبيعها. يظهر في العمل ممثل يشرح استعمال منظومة أبشالوم النحتية (تحت عنوان "اقتراحات للسكن") وفي الواقع يبيّن كيف يمكن استخدام ما لا يمكن استخدامه. هذا المسار يجمع في آنٍ واحد بين الساخر والطوباوي؛ إذ يتعانق فيه المجرد والمثالي مع الاستهلاكي والتجاري، وينبثق الفن بوصفه نمط عيش.


أبشالوم: حلول ومشاكل يُعرض بإشراف القيّمة هيلا كوهين-شنايدرمان. ويحظى المعرض بدعم من مجموعة IL Collection.


التصميم: عيران أيزنهامر
المونتاج وإنتاج الصوت: دوتان براند

مونتاج وترميم فيديو: لُمى أبو وردة
شكر وتقدير: موشيه نينيو، ميخائيل غوردون، داني إيشل


تُعرض جميع الأعمال في المعرض بإذن من تركة الفنان.


أبشالوم

حلول، 1992 

صورة من الفيديو، بإذن من تركة الفنان.

أبشالوم: حلول ومشاكل

30 أيار، 2026

19 شباط، 2026

← شراء تذاكر
bottom of page