السّروةُ انكسرتْ كمئذنةٍ، ونامت
في
الطريق على تقشّف ظلِّها،
خضراءَ، داكنةً،
كما هي.
- محمود درويش
في ساحة المدخل المؤدية إلى مبنى مركز الفن المعاصر، تنتصب سروتان. يشكل المبنى المعدني، المتّسم بلغة معمارية ما بعد حداثية، وزوج الأشجار دائمة الخضرة، نقطة الانطلاق لمعرض نردين سروجي (مواليد 1980، الناصرة). من خلالهما، تتأمل الفنانة في المكان الذي تعرض فيه، وفي الأرض التي ينتصب عليها، وفي الطبقات التاريخية والسياسية والاجتماعية والمادية المحيطة به – بيوتٌ ومواد بناء، وأحياءٌ تعرضت للمحو، وآثارٌ انطبعت في المشهد الطبيعي، ونماذجُ زخرفية ونباتات.
يمتدّ المعرض في فضاء صالتَيْ العرض، ويتضمّن عملًا تركيبيًّا متلاءمًا مع الحيز، وأعمال تطريز استثنائية على معدن، وتدخّلات نحتية وتركيبية. في الطابق الأول، تعرض نردين نموذج يكرر شكل واجهة المبنى، والتي تتداخل في فضاء صالة العرض، مائلة على جانبها ومُثبّتة على رأس سروة، كأثرٍ معماري، أو ديكور مؤقت، أو هيكل لمبنى لم يكتمل بعد أو انهار. تستحضر ماديته الصناعية والخفيفة أيضًا حارة التنك (حيّ الأكواخ الصفيحية)، الذي كان يقع بين المنشية وكرم هتيمانيم حتى منتصف القرن العشرين، على أطراف شارع الكرمل، وهي منطقة تُستخدم اليوم موقفًا للسيارات لروّاد السوق. مساحة عابرة من الأكواخ والصفائح اختفت من المشهد الحضري، لكن آثارها، من خلال مبنى المركز، تواصل ترديد صداها في المكان.
في الطابق الثاني من المعرض، تعرض الفنانة مجموعة من أعمال التطريز على صفائح معدنية، أشبه بالمشربيات، وهي عنصر معماري إضافي استلهمته نردين من تصميم مبنى المركز، مثبتةً على امتداد بيت الدرج وتحمي النوافذ من الشمس في الجهة الجنوبية الغربية. في السنوات الأخيرة، تدمج نردين في أعمالها نماذج من التطريز الفلسطيني التقليدي، وهي من ضمن منظومة بصرية مشفّرة من العلامات والرموز، لغة ملموسة أخذت تُنسى مع مرور السنين. تحمل كل غرزة بين خيوطها معلومات: عن منشأ المرأة التي ترتديه وأصلها، وعن انتمائها العائلي، ومكانتها الاقتصادية، وأحيانًا عن عمرها أو حالتها الشخصية. فالتطريز ليس زينةً فحسب؛ بل هو وسيلة تعريف، وأرشيف متنقل، ولغة للمكان. تعود نردين إلى هذه الرموز، لكنها لا تستعيدها بأسلوب يتّسم بالحنين. فأعمال التطريز لديها لا تُنسج على الفساتين والأقمشة، بل على ألواح صناعية تتسلل إلى داخل المبنى. تمدّ نردين التطريزات وتفكّكها وتشوّشها وتعيد تركيبها من جديد. تجعلها حالة راهنة من هذا العصر، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن البُنى الخفية الكامنة فيها.
اتخذت نردين، كنقطة انطلاق لسلسلة التطريزات الجديدة، شكل السرو في التطريز الفلسطيني ومنظومة الرموز المرتبطة بيافا، المكان ذي الطابع الحضري. يُعدّ السرو واحدًا من أبرز الأشكال في الثقافة الفلسطينية، فهو يدلّ على المكان وعلى حدود قطعة الأرض. إنها شجرة تُغرَس في المقابر، ربما لأنها ارتبطت منذ الميثولوجيا اليونانية بشخصية كيباريسوس (Cyparissus)، الذي غرق في حزن عميق بعدما قتل عن غير قصد الأيّل الذي كان رفيقه، فتحوّل من فرط الأسى إلى شجرة، ومن هنا جاء اسمها. وهيئة السرو العمودية، النحيلة كالرمح، الشبيهة باللهب، تتكرر وتظهر في التطريزات والمنسوجات الفلسطينية بتنويعات عدة. كذلك يصف محمود درويش، في قصيدته «السروة انكسرت»، الشجرة التي انهارت على الطريق، فيما تستمر الحياة من حولها: يمرّ الناس بقربها، يحاولون تفسير سقوطها، والتعليل ومنح المعنى، أو البحث عن مذنبين. لكن، في مواجهة كل هذه المحاولات، تنتهي القصيدة بالجملة «السروة انكسرتْ، وهذا كُلُّ ما في الأمرِ: إنَّ السروة انكسرتْ». وعلى غرار القصيدة، فإن الانهيار في معرض نردين أيضًا لا يظهر كحدث آنيّ أو دراميّ، بل بوصفه جزءًا من سيرورة متواصلة: فواجهة المركز تميل إلى السقوط بينما فعل التطريز بطيء ومتكرر، ينفذ إلى ما تحت سطح المبنى ويحاول أن يرأب، وأن يغزل، وأن يبني صورة قديمة وجديدة في آن.
أنجزت نردين سروجي أعمال التطريز بالتعاون مع مجموعة من المتدرّبين – فنانين ناشئين – هم طلاب وخريجون من كليات الفنون، الحائزين على منحة ريڤكيند بن تسور للفنون والتعليم والمجتمع لعام 2026:
رباب أبو سعدة، طالبة ماجستير في الفنون، المدرشاه، سنة أولى؛ شيرلي مونيهون، طالبة ماجستير في الفنون، شنكار، سنة ثانية؛ سلام جابرين، طالبة بكالوريوس، المدرشاه، سنة رابعة؛ روتيم شرف، خريج البكالوريوس، المدرشاه للفنون (2025)؛ شاحر كوشِط، بتسلئيل، سنة ثالثة.
التقييم الفني: ياعيل ميسر وهيلا كوهين شنايدرمان طاقم الإقامة
التنفيذ الفني: سمير حوّا، نعمة قزموز، أشرف قزموز، عماد حُصري، هشام مرعي
نمذجة ثلاثية الأبعاد: تسوف بار أون
شكر خاص لآمال سروجي
يقام المعرض بفضل منحة ريڤكيند بن تسور للفنون والمجتمع والمجتمع المحلي، وبدعم من مجلس مفعال هبايس للثقافة والفنون.
ناردين سروجي: سروة واحدة
–
29 آب، 2026
18 حزيران، 2026

